أبي منصور الماتريدي

573

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحسن تقويم ؛ إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه الصورة التي أنشأه عليها ؛ فالأشبه أن يكون القسم واقعا على قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ؛ لما فيه وقع الإنكار والتكذيب وهو نار جهنم ؛ فأكد ذلك بالقسم كأنه قال : مع أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، نردهم « 1 » إلى أسفل السافلين ؛ لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين . ثم قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يخرج على وجوه : أحدها : أحسن صورة يشاهدون ويعاينون ؛ لأن الملائكة لعلهم « 2 » أحسن صورة وأحكم تقويما في الخلقة من البشر ، ولكن يرجع إلى سائر الخلائق دونهم ؛ وذلك لأنه خلق البشر على صورة لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر ؛ دل أنه خلقهم على أحسن صورة . والثاني : على أحسن تقويم ، أي : على أحكم تقويم وأتقنه ؛ لأنه خلقهم « 3 » وأنشأهم على هيئة يتهيأ لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل وأسباب علمهم وجعل فيهم ، ومكن لهم ذلك . ويحتمل أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، أي : أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وألوهيته . أو جعلهم أهل تمييز ومعرفة ، وبحيث يكون منهم الخيرات وأنواع الطاعات التي يثابون عليها ، وينالون بها الثواب الجزيل ، والكرامة العظيمة ما لا يكون لغيرهم . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ هو يحتمل وجوها : أحدها : رددناه إلى أسفل السافلين ] « 4 » وهو جهنم ، نرد الكافر إلى جهنم وهي أسفل السافلين ، والمؤمن رددناه إلى الجنة وهي أعلى العليين ، وهو ما استثنى بقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ في الجنة . والثاني : رددناه إلى أسفل ما اختار من الأعمال والأفعال ، وهو [ ما اختار ] « 5 » من فعل الشرك والكفر ، ورددنا المؤمن إلى أعلى ما اختار من الأعمال العالية الرفيعة ، [ والله أعلم ] « 6 » .

--> ( 1 ) في ب : بردهم . ( 2 ) في أ : جعلهم . ( 3 ) في أ : جبلهم . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : من أخبار . ( 6 ) سقط في ب .